أبو حامد الغزالي

273

تهافت الفلاسفة

ومن له الفضيلة العلمية ، دون العملية ، فهو العالم الفاسق ، ويتعذب مدة ، ولكن لا يدوم ، لأن نفسه قد كملت بالعلم ، ولكن العوارض البدنية لطخته ، تلطيخا عارضا ، على خلاف جوهر النفس ، وليس تتجدد الأسباب المجددة ، فينمحى على طول الزمان . ومن له الفضيلة العملية دون « 1 » العلمية ، فيسلم وينجو عن الألم ، ولكن لا يحظى بالسعادة الكاملة . وزعموا : أن من مات فقد قامت قيامته . وأما ما ورد في الشرع ، من الصور الحسية ، فالقصد به ضرب الأمثال ، لقصور الأفهام عن درك هذه اللذات فمثل لهم ما يفهمون ، ثم ذكر لهم أن تلك اللذات فوق ما وصف لهم ، فهذا مذهبهم . * * * ونحن نقول : أكثر هذه الأمور ليست على مخالفة الشرع ، فإنا لا ننكر أن في الآخرة أنواعا من اللذات ، أعظم من المحسوسات ، ولا ننكر بقاء النفس عند مفارقة البدن ، ولكنا عرفنا ذلك بالشرع ، إذ قد ورد « 2 » بالمعاد ، ولا يفهم المعاد إلا ببقاء النفس ؛ وإنما أنكرنا عليهم ، من قبل دعواهم معرفة ذلك بمجرد العقل . ولكن المخالف للشرع منها : إنكار حشر الأجساد . وإنكار اللذات الجسمانية في الجنة . وإنكار الآلام الجسمانية في النار . وإنكار وجود الجنة والنار ، كما وصف في القرآن « 3 » .

--> ( 1 ) في نسخة « فوق » وهو غير صحيح . ( 2 ) يعنى الشرع . ( 3 ) هكذا يروى الغزالي عن الفلاسفة ؛ ولخطورة ما سيرتبه من الأحكام آخر الكتاب ، على هذا الذي يرويه ، أرى الواجب يقتضينى أن أروى نصوص الفلاسفة الإسلاميين ، في هذا المقام ، وإليك ما يقوله « ابن سينا » في « النجاة » ص 477 مطبعة السعادة لسنة 1331 ه : « يجب أن تعلم أن المعاد : منه مقبول من الشرع ، ولا طريق إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة ، وهو الذي للبدن عند البعث ، وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج إلى أن تعلم . وقد بسطت الشريعة الحقة ، التي أتانا بها نبينا المصطفى - محمد صلى اللّه عليه وسلم - حال السعادة والشقاوة ، التي بحسب البدن . ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وقد صدقته النبوة ، وهو السعادة والشقاوة ، الثابتان بالمقاييس التي للأنفس ، وإن كانت الأوهام منا تقتصر عن تصورها الآن ، لما نوضح من العلل . والحكماء الإلهيون ، رغبتهم في إصابة هذه السعادة ، أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية ، بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك ، وإن أعطوها ، فلا يستعظمونها في جانب هذه السعادة ، التي هي مقاربة الحق الأول ، فلنعرف حال هذه السعادة ، والشقاوة المضاد لها ، فإن البدنية مفروغ منها في الشرع ، فنقول : يجب أن تعلم أن لكل قوة نفسانية ، لذة وخيرا يخصها ، وأذى وشرا يخصها . مثاله : أن لذة الشهوة وخيرها ، أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة ، ولذة الغضب الظفر ، ولذة الوهم الرجاء ، ولذة الحفظ تذكر الأمور الموافقة الماضية ، وأذى كل واحد منها ، ما يضاده . وتشترك كلها نوعا من الشركة ، في أن الشعور بموافقها وملائمها ، هو الخير واللذة الخاصة بها ، والموافق بكل واحد منها بالذات والحقيقة ، هو حصول الكمال ، الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل . فهذا أصل . وأيضا فإن هذه القوى ، وإن اشتركت في هذه المعاني ، فإن مراتبها في الحقيقة مختلفة ، فالذي كماله أتم وأفضل ، والذي كماله أكثر ، والذي كماله أدوم ، والذي كماله أوصل إليه ، وأحصل له ، والذي هو في نفسه أكمل فعلا وأفضل ، والذي هو في نفسه أشد إدراكا ، فاللذة له أبلغ وأوفى لا محالة . وهذا أصل . وأيضا فإنه قد يكون الخروج إلى الفعل ، في كمال ما ، بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ ، ولا يتصور كيفيته ، ولا يشعر باللذاذة ما لم يحصل ؛ وما لم يشعر به ، لم يشتق إليه ، ولم ينزع نحوه ، مثل العنين ، فإنه متحقق أن للجماع لذة ، ولكنه لا يشتهيه ولا يحن نحوه ، الاشتهاء والحنين ، اللذين يكونان مخصوصين به ، بل شهوة أخرى ، كما يشتهى من يجرب ، من حيث يحصل به إدراك ، وإن كان مؤذيا ، وفي الجملة فإنه لا يتخيله . وكذلك حال الأكمه ، عند الصور الجميلة ، والأصم عند الألحان المنتظمة . ولهذا يجب ألا يتوهم العاقل ، أن كل لذة ، فهي - كما للحمار - في بطنه وفرجه ، وأن المبادئ الأولى ، المقربة عند رب العالمين ، عادمة للذة والغبطة ، وأن رب العالمين - عز وجل - ليس له في سلطانه ، وخاصيته البهاء الذي له ، وقوته غير المتناهية ، أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب ، نجله عن أن يسمى لذة ، ثم للحمار وللبهائم حالة طيبة ولذيذة كلا . بل أي نسبة تكون لما للمبادئ العالية ، إلى هذه الخسيسة ، ولكنا نتخيل هذا ونشاهده ، ولم نعرف ذلك بالاستشعار ، بل بالقياس ، فحالنا عنده ، كحال الأصم ، الذي لم يسمع قط في عمره ، ولا تخيل اللذة اللحنية ، وهو متيقن لطيبها . وهذا أصل . وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم ، قد يتيسر للقوة الدراكة ، وهناك مانع أو شاغل للنفس ، فتكرهه ، وتؤثر ضده عليه ، مثل كراهية بعض المرضى ، الطعم الحلو ، وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات ، وربما لم تكن كراهية ، ولكن كان عدم الاستلذاذ به ، كالخائف يجد الغلبة أو اللذة ، فلا يشعر بهما ، ولا يستلذهما . وهذا أصل . وأيضا فإنه قد تكون القوة الدراكة ، ممنوة بضد ما هو كمالها ، ولا تحس به ولا تنفر عنه ، حتى إذا زال العائق ، تأذت به ، ورجعت إلى غريزتها ، مثل الممرور ، فربما لم يحس بمرارة فيه ، إلى أن يصلح مزاجه ، وتشفى أعضاؤه ، فحينئذ ينفر عن الحال العارضة له . وكذلك قد يكون الحيوان ، غير مشته للغذاء البتة ، كارها له ، وهو أوفق شئ له ، ويبقى عليه مدة طويلة ، فإذا زال العائق ، عاد إلى واجبه في طبعه ، فاشتد جوعه وشهوته للغذاء ، حتى لا يصبر عنه ، ويهلك عند فقدانه ، وقد يحصل سبب الألم العظيم ، مثل إحراق النار ، وتبريد الزمهرير ، إلا أن الحس مئوف ، فلا يتأذى البدن به ، حتى تزول الآفة ، فيحس حينئذ بالألم العظيم . فإذا تقررت هذه الأصول ، فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه ، فنقول : إن النفس الناطقة ، كمالها الخاص بها ، أن تصير عالما عقليا ، مرتسما فيه صورة الكل ، والنظام المعقول في الكل ، والخير الفائض في الكل ، مبتدئا من مبدأ الكل ، سالكا إلى الجواهر الشريفة ، فالروحانية المطلقة ، ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما ، من التعلق بالأبدان ، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها ، ثم تستمر كذلك ، حتى تستوفى في نفسها هيأة الوجود كله ؛ فتنقلب عالما معقولا ، موازيا للعالم الموجود كله ، مشاهدا لما هو الحسن المطلق ، والخير المطلق ، والجمال الحق ، ومتحدا به ، ومنتقشا بمثاله وهيأته ، ومنخرطا في سلكه ، وصائرا من جوهره . وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة ، التي للقوى الأخرى ، وجد في المرتبة ، التي بحيث يقبح معها ، أن يقال إنه أتم وأفضل منها ، بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه ، فضيلة ، وتماما ، وكثرة ، وسائر ما يتم به تلذذ المدركات مما ذكرناه . وأما الدوام ، فكيف يقاس الدوام الأبدي ، بالدوام المتغير الفاسد ؟ ؛ . وأما شدة الوصول ، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح ، بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله ، حتى يكون كأنه هو هو ، بلا انفصال ؟ ؟ ؟ ، إذ العقل ، والمعقول ، والعاقل شئ واحد ، أو قريب من الواحد . وأما أن المدرك في نفسه أكمل ، فأمر لا يخفى ، وأما أنه أشد إدراكا ، فأمر أيضا تعرفه بأدنى تذكر لما سلف بيانه . فإن النفس النطقية أكثر عدد مدركات ، وأشد تقصيا للمدرك ، وتجريدا له عن الزوائد ، غير الداخلة في معناه ، إلا بالعرض ، ولها الخوض في باطن المدرك وظاهره . بل كيف يقاس هذا الإدراك ، بذلك الإدراك ؟ ؛ ، أو كيف تقاس هذه اللذة ، باللذة الحسية ، والبهيمية ، والغضبية ، ولكننا في عالمنا وبدننا وانغماسنا في الرذائل ، لا نحس بتلك اللذة ، إذا حصل عندنا شئ من أسبابها ، كما أومأنا إليه في بعض ما قدمناه ، من الأصول ، ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها ، اللهم إلا أن نكون قد خلعنا ، ربقة الشهوة والغضب وأخواتها من أعناقنا ، وطالعنا شيئا من تلك اللذة ، فحينئذ ربما تخيلنا منها ، خيالا طفيفا ضعيفا ، وخصوصا عند انحلال المشكلات ، واستيضاح المطلوبات النفيسة . ونسبة التذاذنا هذا ، إلى التذاذنا ذلك ، نسبة الالتذاذ الحسى ، بتنشق روائح المذوقات اللذيذة ، إلى الالتذاذ بتطعمها ، بل أبعد من ذلك بعدا غير محدود . وأنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمك ، وعرضت عليك شهوة ، وخيرت بين الطرفين ، استخففت بالشهوة ، إن كنت كريم النفس ، والأنفس العامية أيضا كذا ، فإنها تترك الشهوات المعترضة ، وتؤثر الغرامات ، والآلام الفادحة ، بسبب افتضاح ، أو خجل ، أو تعيير ، أو شوق لغلبة ، وهذه كلها أحوال عقلية . فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية ، أكرم على الأنفس من محقرات الأشياء فكيف في الأمور النبيهة العالية ؟ ؛ . إلا أن الأنفس الخسيسة ، تحس بما يلحق المحقرات من الخير والشر ، ولا تحس بما يلحق الأمور النبيهة ، لما قيل من المعاذير . وأما إذا انفصلنا عن البدن ، وكانت النفس منا قد تنبهت ، وهي في البدن ، لكمالها الذي هو معشوقها ، ولم تحصله وهي بالطبع نازعة إليه ، إذ عقلت بالفعل أنه موجود ، إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا ، قد أنساها ذاتها ومعشوقها ، كما ينسى المرض الحاجة ، إلى بدل ما يتحلل ، وكما ينسى المرض الالتذاذ بالحلو واشتهاءه ، وتميل الشهوة بالمريض ، إلى المكروهات في الحقيقة عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه ، كفء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ، ودللنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك هو الشقاوة ، والعقوبة التي لا يعدلها تفريق النار للاتصال وتبديلها ، وتبديل الزمهرير للمزاج ، فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف ، أو الذي عمل فيه نار أو زمهرير ، فمنعت المادة الملابسة وجه الحس ، من الشعور به فلم يتأذ ، ثم عرض أن زال العائق ، فشعر بالبلاء العظيم . وأما إذا كانت القوة العقلية ، بلغت من النفس حدا من الكمال ، يمكنها به إذا فارقت البدن ، أن تستكمل الاستكمال التام ، الذي لها أن تبلغه ، كان مثلها مثل الخدر ، الذي أذيق المطعم الألذ ، وعرض للحال الأشهى ، وكان لا يشعر به ، فزال عنه الخدر ، فطالع اللذة العظيمة دفعة ، وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية ، بوجه ، بل لذة تشاكل الحال الطيبة ، التي للجواهر الحية المحضة ، وهي أجل من كل لذة وأشرف . فهذه هي السعادة ، وتلك هي الشقاوة . وليست تلك الشقاوة تكون لكل واحد من الناقصين ، بل للذين أكسبوا القوة العقلية ، الشوق إلى كمالها ، وذلك عندما يبرهن لهم ، أن من شأن النفس إدراك ماهية الكمال ، بكسب المجهول من المعلوم ، والاستكمال بالفعل ، فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول ، ولا أيضا في سائر القوى ، بل شعور أكثر القوى بكمالاتها ، إنما يحدث بعد أسباب . وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة ، فكأنها هيولى موضوعة ، لم تكتسب البتة هذا الشوق ، لأن هذا الشوق ، إنما يحدث حدوثا ، وينطبع في جوهر النفس ، إذا تبرهن للقوى النفسانية ، أن هاهنا أمورا ، يكتسب العلم بها بالحدود الوسطى ، على ما علمت ، وأما قبل ذلك ، فلا يكون ، لأن الشوق يتبع رأيا ، وليس هذا الرأي للنفس أوليا ، بل رأيا مكتسبا . فهؤلاء إذا اكتسبوا هذا الرأي ، لزم النفس ضرورة هذا الشوق ، فإذا فارقت ولم يحصل معها ، ما تبلغ به بعد الانفصال ، إلى التمام ، وقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي ، لأن أوائل الملكة العلمية ، إنما كانت تكتسب بالبدن لا غير ، وقد فات . وهؤلاء إما مقصرون عن السعي ، في كسب الكمال الإنسى ، وإما معاندون جاحدون متعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية ، والجاحدون أسوأ حالا ، لما كسبوا من هيئات مضادة للكمال . وأما أنه كم ينبغي ، أن يحصل عند نفس الإنسان ، من تصور المعقولات ، حتى تجاوز به الحد ، الذي في مثله تقع هذه الشقاوة ، وفي تعديه وجوازه ، ترجى هذه السعادة ؟ ؛ ، فليس يمكنني أن أنص عليه نصا إلا بالتقريب . وأظن أن ذلك ، أن يتصور الإنسان المبادئ المفارقة ، تصورا حقيقيا ، ويصدق بها تصديقا يقينيا ، لوجودها عنده بالبرهان ، ويعرف العلل الغائية ، للأمور الواقعة في الحركات الكلية ، دون الجزئية التي لا تتناهى . ويتقرر عنده هيأة الكل ، ونسب أجزاء بعضها إلى بعض ، والنظام الآخذ من المبدأ الأول ، إلى أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه . ويتصور العناية وكيفيتها ، ويتحقق أن اللذات المتقدمة للكل ؛ أي وجود يخصها ؟ ؛ ، وأية وحدة تخصها ؟ ؛ ، وأنها كيف تعرف ، حتى لا يلحقها تكثر ولا تغير ، بوجه من الوجوه ؟ ؛ ، وكيف ترتبت نسبة الموجودات إليها ؟ ؛ . ثم كلما ازداد الناظر استبصارا ، ازداد للسعادة استعدادا . وكأنه ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم وعلائقه ، إلا أن يكون أكد العلاقة مع ذلك العالم ، فصار له شوق إلى ما هناك ، وعشق لما هناك ، يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة . ونقول أيضا : إن هذه السعادة الحقيقة ، لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس ، ونقدم لذلك مقدمة ، وكأنا قد ذكرناها فيما سلف ، فنقول : إن الخلق هو ملكة يصدر بها عن النفس أفعال ما ، بسهولة ، من غير تقدم روية ، وقد أمر في كتب الأخلاق ، بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين ، لا بأن يفعل أفعال التوسط ، بل بأن يحصل ملكة التوسط ، وملكة التوسط كأنها موجودة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية معا . أما القوة الحيوانية ، فبأن يحصل فيها هيأة الإذعان والانفعال . وأما القوة الناطقة ، فبأن يحصل فيها هيأة الاستعلاء . كما أن ملكة الإفراط والتفريط ، موجودة للقوة الناطقة ، وللقوى الحيوانية معا ولكن بعكس هذه النسبة ، ومعلوم أن الإفراط والتفريط ، هما مقتضى القوى الحيوانية ، وإذا قويت القوة الحيوانية ، وحصل لها ملكة استعلائية ، حدثت في النفس الناطقة هيأة إذعانية ، وأثر انفعالى ، قد رسخ في النفس الناطقة ، من شأنه أن يجعلها قوية العلاقة مع البدن ، شديدة الانصراف إليه . وأما ملكة التوسط ، فالمراد منها التبرئة عن الهيئآت الانقيادية ، وإبقاء النفس الناطقة على جبلتها ، مع إفادة هيأة الاستعلاء والتنزه ، وذلك غير مضاد لجوهرها ، ولا مائل بها إلى جهة البدن ، بل عن جهته ، فإن التوسط يسلب عنها الطرفين دائما ، ثم جوهر النفس ، إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ، ويغفله عن الشوق الذي يخصه ، وعن طلب الكمال الذي له ، وعن الشعور بلذة الكمال ، إن حصل له ، أو الشعور بألم النقصان ، إن قصر عنه ، لا بأن النفس منطبعة في البدن ، ومنغمسة فيه ، ولكن بالعلاقة التي كانت بينهما وهي الشوق الجبلي ، إلى تدبيره ، والاشتغال بآثاره ، وبما يورده عليه من عوارضه ، وبما يتقرر فيه ، من ملكات مبدؤها البدن . فإذا فارق ، وفيه الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به ، كان قريب الشبه من حاله وهو فيه ، فبما ينقص من ذلك ، تزول غفلته عن حركة الشوق الذي له إلى كماله ، وبما يبقى منه معه ، يكون محجوبا عن الاتصال الصرف بمحل سعادته ، ويحدث هناك من الحركات المشوشة ، ما يعظم أذاه ، ثم إن تلك الهيأة البدنية ، مضادة لجوهرها مؤذية لها ، وإنما كان يلهيها عنها أيضا البدن تمام انغماسها فيه ، فإذا فارقت النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة ، وتأذت بها أذى عظيما ، لكن هذا الأذى وهذا الألم ، ليس لأمر لازم ، بل لأمر عارض غريب ، والعارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ، فيزول ويبطل مع ترك الأفعال ، التي كانت تثبت تلك الهيأة بتكرارها ، فيلزم إذن أن تكون العقوبة ، التي بحسب ذلك ، غير خالدة ، بل تزول وتنمحى قليلا قليلا ، حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها . وأما النفوس البله ، التي لم تكتسب الشوق ، فإنها إذا ما فارقت البدن ، وكانت غير مكتسبة للهيئات البدنية الردية ، صارت إلى سعة من رحمة اللّه ، ونوع من الراحة ؛ وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية ، وليس عندها هيأة غير ذلك ، ولا معنى يضاده وينافيه ، فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها ، فتتعذب عذابا شديدا ، بفقد البدن ، ومقتضيات البدن ، من غير أن يحصل المشتاق إليه ، لأن آلة ذلك قد بطلت ، وخلق التعلق بالبدن قد بقي . ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا ، وهو أن هذه الأنفس ، إن كانت زكية ، وفارقت البدن ، وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة ، التي تكون لأمثالهم ، على ما يمكن أن يخاطب به العامة ، وتصور في أنفسهم من ذلك ، فإنهم إذا فارقوا الأبدان ، ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة ، التي فوقهم ، لإتمام كمال ، فتسعد تلك السعادة ، ولا شوق كمال ، فتشقى تلك الشقاوة ، بل جميع هيئآتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل ، منجذبة إلى الأجسام ، ولا منع في المواد السماوية ، عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها ، قالوا فإنها تتخيل جميع ما كانت اعتقدته ، من الأحوال الأخروية ، وتكون الآلة التي يمكنها بها التخيل ، شيئا من الأجرام السماوية فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا ، من أحوال القبر ، والبعث ، والخيرات الأخروية ، وتكون الأنفس الردية أيضا ، تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا ، وتقاسيه ، فإن الصور الخيالية ، ليست تضعف عن الحسية ، بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء ، كما يشاهد ذلك في المنام ، فربما كان المحكوم به أعظم شأنا ، في بابه من المحسوس ، على أن الأخروى أشد استقرارا من الموجود في المنام ، بحسب قلة العوائق ، وتجرد النفس ، وصفاء القابل ، وليست الصورة التي ترى في المنام ، والتي تحس في اليقظة ، كما علمت ، إلا المرتسمة في النفس إلا أن إحداهما تبتدئ من باطن ، وتنحدر إليها ، والثانية تبتدئ من خارج ، وترتفع إليها ، فإذا ارتسمت في النفس تم هناك إدراك المشاهدة ، وإنما يلذ ويؤذى بالحقيقة هذا المرتسم في النفس ، لا الموجود من خارج ، فكل ما ارتسم في النفس ، فعل فعله ، وإن لم يكن سبب من خارج ، فإن السبب الذاتي ، هو هذا المرتسم ، والخارج سبب بالعرض ، أو سبب السبب . فهاتان هما السعادة والشقاوة الخسيستان ، واللتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة . وأما الأنفس المقدسة ، فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال ، وتتصل بكمالها بالذات ، وتنغمس في اللذة الحقيقية ، وتتبرأ عن النظر إلى ما خلفها ، وإلى المملكة التي كانت لها كل التبري ولو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي ، تأذت وتخلفت لأجله ، عن درجة عليين ، إلى أن ينفسخ عنها . » هذا هو رأى « ابن سينا » في البعث ، وهو - كما ترى - شطران : ( ا ) شطر يرجع فيه إلى الشريعة المحمدية ، وما جاء فيها عن بعث البدن ونعيمه ، وعذابه وقد أمن بكل ذلك وأذعن له . ( ب ) وشطر يرجع فيه إلى العقل ، وما تأدى إليه من بعث الروح ونعيمها وعذابها ، وقد حكى كل ذلك أيضا حكاية المذعن المؤمن . والذي لا يستطيع المنصف أن يمارى فيه ، أن ما جاء في الشطر الثاني ، يكاد يودى بما جاء في الشطر الأول ، إذ قد جعل مناط السعادة والشقاوة في الخلاص من البدن ، فالنفوس التي توفرت لديها أسباب السعادة ، إنما كان يمنعها من الشعور بها البدن ، فإذا خلعته وتخلصت منه ، استذوقت سعادتها واستكملتها ، والنفوس التي توافرت لديها أسباب الشقاوة ، إنما كان يحول بينها وبين الشعور بها ، البدن وشواغله ، فإذا ألقته جانبا ، تأذت وتألمت . ولقد ورد في عبارته ما يفيد أن كلا الصنفين من النفوس سيفارق بدنه إلى غير رجعة ، ومعنى هذا إنكار البعث الجسماني ، وما يترتب عليه من نعيم البدن وعذابه . فهل كان « ابن سينا » يعنى ما جاء في الشطر الثاني ، وإنما ذكر الأول تقية ؟ ؛ ، هذا محتمل ، أم هو الاضطراب الذي كان ظاهرة شائعة في الفلسفة الإسلامية ، من جراء إيمان أصحابها بمصدرين مختلفين ، واعتقادهم فيهما العصمة والنزاهة ؟ ؛ إن كان الأول ، فلماذا لم يستشعر « ابن سينا » التقية في غير هذه المسألة ، مما لا يقل خطره في نظر خصومه عن خطرها ، كالقول بقدم العالم . وإن كان الثاني فكيف غاب عنه ، هذا التناقض الواضح بين الجانبين ، فإن كلا منهما ينفى ما يثبته الآخر ؟ ؛ في الحق أن موقف « ابن سينا » في هذه المسألة غامض ، ورأيه فيها مضطرب . ولكن هل يحق للناقد المنصف أن يسجل عليه أحد الجانبين ويضرب بالآخر عرض الحائط ؟ ؛ وإن حق له ذلك ، فهل هو بالخيار بين أن يغفل أي الجانبين شاء ؟ ؛ هذا ما لا أوافق الغزالي ، عليه . ومما هو جدير بالذكر أيضا في هذا المقام ، ما يرويه الفناري - ح 8 ص 297 من المواقف - تعليقا على قول السيد الشريف : « والثالث - أي من الأقوال في البعث - ثبوتهما معا - أي الجسم والروح - » من قول شارح الصحائف : وهذا على وجهين : أحدهما ، أن يكون الروح مجردا عن المادة ، فيعاد الجسم ويتعلق به الروح ، أو يتعلق بجسم آخر ، من غير إعادة الجسم الأول ، وهذا مذهب قليل من أهل العلم ، « كالغزالى » و « الفارابي » . . فعلى هذا يكون « الفارابي » أيضا قائلا بالبعث الجسماني .